مجد الدين ابن الأثير

305

المختار من مناقب الأخيار

بصحّة التفويض ، وسدّ سبيل العجب بمعرفة النفس ، واطلب راحة البدن بإجمام القلب ، وتخلّص إلى إجمام القلب بقلّة الخلطاء ؛ وتعرّض لرقّة القلب بدوام مجالسة أهل الذكر ، واستجلب نور القلب بدوام الحزن ، واستفتح باب الحزن بطول الفكر ، والتمس وجود الفكر في مواطن الخلوات ، وإياك والرجاء الكاذب ، فإنّه يوقعك في الخوف الكاذب ، وإياك الغفلة ، فمنها سواد القلب ، وإياك والتّواني فيما لا عذر فيه ، فإليه ملجأ النادمين . واسترجع سالف الذنوب بشدّة الندم وكثرة الاستغفار ، وتعرّض لعفو اللّه بحسن المراجعة ، واستعن على حسن المراجعة بخالص الدّعاء والمناجاة ، واستجلب زيادة النّعم بعظيم الشّكر ، واستدم عظيم الشكر بخوف زوال النّعم ؛ واطلب بهاء العزّ بإماتة الطّمع ، وادفع ذلّ الطمع بعزّ اليأس ، واستجلب عزّ اليأس ببعد الهمّة ، واستعن على بعد الهمّة بقصر الأمل ؛ وأحذّرك سوف ، فإنّ دونه « 1 » ما يقطع بك عن بغيتك ؛ ولا عمل كطلب السلامة ، ولا سلامة كسلامة القلب ، ولا عقل كمخالفة الهوى ، ولا خوف كخوف حاجز ، ولا رجاء كرجاء يقين ، ولا فقر كفقر القلب ؛ ولا غنى كغنى النّفس ؛ ولا قوّة كغلبة الهوى ؛ ولا نور كنور اليقين ، ولا يقين كاستصغار الدنيا ؛ ولا نعمة كالعافية ، ولا عافية كمساعدة التوفيق ؛ ولا حرص كالمنافسة في الدرجات ؛ ولا عدل كالإنصاف ، ولا تعدّي كالجور ، ولا جور كموافقة الهوى ؛ ولا طاعة كأداء الفرائض ؛ ولا مصيبة كعدم العقل ؛ ولا فضيلة كالجهاد ، ولا جهاد كجهاد النّفس ؛ ولا معصية كحبّ البقاء ، ولا ذلّ كالطّمع « 2 » . وقال : الخير كلّه أن تزوى عنك الدنيا ، ويمنّ عليك بالقنوع ، ويصرف عنك وجوه الناس ، ويمنّ عليك بالرّضا « 3 » .

--> ( 1 ) في ( أ ، ل ) : « ذنوبه » ، والمثبت من الحلية . ( 2 ) الحلية 9 / 287 - 289 مطوّلا . ( 3 ) الحلية 9 / 282 .